السيد محمد حسين فضل الله

28

من وحي القرآن

والحياة ، فنسوا اللّه ونسوا أنفسهم وغابوا عن التطلع إلى اليوم الآخر ، واحتضنوا العظمة الفانية ، وتركوا العظمة الخالدة ، وإذا عاشت الشهوة كقيمة كبيرة في حياة الإنسان ، وتحركت المتعة ، كهدف أصيل في الذات ، فإن ذلك سوف يصنع له آلهة كثيرة من الخيال ، في ما يستغرقه من غيب الأوهام ، وفي ما يثيره من ضباب الأحلام . وهكذا نسي هؤلاء الذكر ، وعاشوا الغفلة في غيبوبة الفكر وضياع الشعور ، فلم ينفتحوا على التوحيد في مواقع الوعي ، وعلى الإيمان في مطالع الشروق . وإذا نسي الناس الذكر ، التقوا بالأصنام البشرية والغيبية والحجرية ، وضلوا ضلالا بعيدا . وَكانُوا قَوْماً بُوراً أشقياء هالكين في إسرافهم على أنفسهم بالكفر والضلال ، فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ بما تمنحونهم من صفات الألوهية ، أو ما تقدمونه من فروض العبادة ، وأعلنوا البراءة منكم ، فلم يكن لهم أيّ دور في إضلالكم ، بل كنتم - أنتم - الضالين ، فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً بأن تصرفوا عن أنفسكم العذاب بشفاعتهم أو بعبادتهم وَلا نَصْراً بأن تجدوا لكم ناصرا ينصركم من عذاب اللّه . وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نفسه بالكفر والعصيان نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ، لأن الأمر كله لنا وليس لأحد معنا شيء ، ولا يستطيع أحد أن يمنعنا مما نريده . وهذا ما ينبغي أن يعيشه الناس كلهم في مسألة العقيدة والطاعة ، في ما يظلمون به أنفسهم ، أو يظلمون به ربهم في تجاوزهم لما له عليهم من حق . إن الانحراف عن الحق ، في الموقع الذي يستطيع الإنسان أن يبلغ الحق أو يكتشفه ، يعني الوقوع في العذاب لا محالة . وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين آمن بهم هؤلاء إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ كما تأكل - أنت - الطعام ، وتمشي - مع الناس - في الأسواق ،